السيد محمد رضا الجلالي

26

العنعنة من صيغ الأداء للحديث الشريف في الكافي

عن المجرور ، فهذا هو الأصل في معنى « عنْ » وما هو بحكمه ، سواء كان تجاوزاً حسّياً فيكون حقيقيّاً ، أو تجاوزاً تقديريّاً فيكونُ معنويّاً ، نحو : « فاتَ عنّي الدرسُ » ، بمعنى تعدّى عنّي فلم أُدركه ، وانفصل عنّي ، وفاتني وقتُه ، وبَعُد عنّي . قال ابن منظور : قال النحويّون : « عَنْ » ساكنة النون حرفٌ وُضع لمعنى ما عداك وتراخى عنك ، يقال : « انصرِفْ عنّي وتنحّ عنّي » « 1 » والمعنى : ابتعِد عنّي وانفصِل عنّي . وأمّا « مِنْ » فالأصل فيها هو ابتداء الغاية مكاناً أو زماناً كما هو المعروف في كتب النحو واللغة ، وهو كذلك حقيقيّ ومعنويّ ، فالمجرور ب « مِنْ » مبدأٌ لمصدر الفعل المتعلَّق لها ، ولا بُدّ له من منتهىً يعادله ، بخلاف « عن » حيث يقصد الانقطاع والابتعاد فقط . ففي الأفعال الّتي تدلّ على الحركة والانتقال ، مثل : « بَعُدَ » و « ذهبَ » و « غابَ » فإنّ الأمرين معاً محتملان : التجاوز والابتداء ، فاستعمال كلٍّ من الحرفين « عَنْ » و « مِنْ » يجوز تبعاً للمراد ، فلو صُرّح بكون الحرف المستعمل بمعنى الآخر ، كان هو المراد ، وإلّا حصل اللَبْسُ واحتاج إلى القرينة الموضّحة والمشخّصة ، كما في « بعدتُ منه » ، فلو أُريد البعد المكاني كانت « مِنْ » لابتداء المكان ، والمعنى : أنّه « مبدأ البُعْد » الّذي قمتُ به ، وقد بلغتُ موضعاً آخر . ولو قيل : إنّ « مِنْ » هي بمعنى « عَنْ » كان المعنى : تجاوزتُه ، وانفصلتُ

--> ( 1 ) . لسان العرب : ج 4 ص 3143 مادّة « عنن » .